الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

63

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يأتي يكون فيه جمع من الناس سعداء من خلال أعمالهم ، وجمع آخر أشقياء بسبب أعمالهم ، والله سبحانه يعلم من الذي اختار طريق السعادة باختياره ، وبإرادته ، ومن الذي خطا خطوات في مسير الشقاء بإرادته . وهذا المعنى يعطي نتيجة معاكسة تماما لما ذكره الرازي حيث أن الناس إذا كانوا مجبورين على هذا الطريق فإن علم الله سيكون جهلا ( والعياذ بالله ) ، لأن الجميع اختاروا طريقهم وانتخبوه بإرادتهم ورغبتهم . الشاهد في الكلام أن الآيات المتقدمة تتحدث عن قصص الأقوام السابقين ، حيث عوقبت عقابا جماعة عظيمة منهم - بسبب ظلمهم وانحرافهم عن جادة الحق والعدل ، وبسبب التلوث بالمفاسد الأخلاقية الشديدة ، والوقوف بوجه الأنبياء والقادة الإلهيين - أليما في هذه الدنيا . . . والقرآن يقص علينا هذه القصص من أجل إرشادنا وتربيتنا وبيان طريق الحق من الباطل ، وفصل مسير السعادة عن مسير الشقاء . وإذا كنا - أساسا - كما يتصور الفخر الرازي ومن على شاكلته - محكومين بالسعادة والشقاء الذاتيين ، ونؤخذ دون إرادتنا بالسيئات أو الصالحات ، فإن " التعليم والتربية " سيكونان لغوا وبلا فائدة . . . ومجئ الأنبياء ونزول الكتب السماوية والنصيحة والموعظة والتوبيخ والملامة والمؤاخذة والسؤال والمحاكمة والثواب . . . كل ذلك يعد غير ذي فائدة ، أو يعد ظلما . الاشخاص الذين يرون الناس مجبورين على عمل الخير أو الشر ، سواء كان هذا الجبر جبرا إلهيا ، أو جبرا طبيعيا ، أو جبرا اقتصاديا ، أو جبرا اجتماعيا متطرفون في عقيدتهم هذه في كلامهم فحسب ، أو في كتاباتهم ، ولكنهم حتى أنفسهم لا يعتقدون - عند العمل - بهذا الاعتقاد ، ولهذا فلو وقع تجاوز على حقوقهم فإنهم يرون المتجاوز مستحقا للتوبيخ والملامة والمحاكمة والمجازاة . . . وليسوا مستعدين أبدا للإغضاء عنه بحجة أنه مجبور على هذا العمل وأن من